البارزاني واستحالة الانفصال عن العراق...د .حسين حافظ
تتوالى تصريحات مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق ومنذ سقوط النظام السياسي السابق في العام 2003 وحتى الآن حول حق الأكراد في تقرير المصير والانفصال عن العراق، وهو ما انفك في مناسبة أو من دونها يلوح بذلك الهدف، كلما ظهرت أزمة سياسية أو مطلبية جديدة، وغالباً ما يستغل الضعف والانقسام الحكومي ليحقق تنازلات ومطالب ما أنزل الله بها من سلطان، وغالباً ما يتصرف كرئيس لدولة مستقلة بعيداً عن ارادة الدولة المركزية، فضلاً عن تعامل مؤسساته الحكومية مع العراقيين الوافدين إلى الإقليم من غير الأكراد بإجراءات رسمية لا تقدم عليها حتى أشد الدول صعوبة بمنح تأشيرات الدخول، وقد درج، ووفقاً لهذا الأسلوب، على جني مكاسب قد لا يستطيع جنيها حتى بالمواجهات العسكرية منطلقاً في ذلك من حقيقة ضعف المؤسسة العسكرية العراقية وقلة قدراتها، ما يدفعه إلى مزيد من الاملاءات على الحكومة المركزية، وربما كان وضع اليد على كركوك إحدى أهم نتائج ما تحقق حتى الآن، والقائمة تأتي تباعاً . جهل السلطات في العراق حقيقة استحالة تحقيق مطلب الانفصال هو ما يجعلها في حالة رعب مستمر، مندفعة في ظل ضعف قدراتها العسكرية إلى تلبية ما يريد، آخر تلك التصريحات ما ذهب إليه البارزاني في العاشر من الشهر الجاري أمام برلمان إقليم كردستان في ادعاء أن "داعش" هو الذي أسهم في تأخير إعلان الدولة الكردية المستقلة، وهو يخالف الهدف الحقيقي ل"داعش" ووجوده في العراق في إيهام مقصود لحقيقة دور "داعش" في تقسيم العراق وتحقيق الحلم البارزاني المنشود، هذا التصريح وحده يكفي لإعلان القطيعة من قبل الحكومة المركزية مع الإقليم والتعامل معه كجزء من العراق خارج عن الإرادة وعن القانون والدستور العراقي الذي أقسم الجميع على احترامه وعدم المساس به . سنحاول إيضاح ما يذهب اليه البارزاني كل مرة بالاستناد إلى حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية عندما احتلت العراق ما كان هدفها نزع أسلحة الدمار الشامل فيه، تلك الفرية التي أثبتت عقمها الأحداث اللاحقة للاحتلال، إنما كان الهدف محاولة تدمير العراق واستحالة عودته إلى سابق عهده في معادلات المنطقة الاستراتيجية، إدراكاً منها بأن العراق يشكل حجر الزاوية في ترسيخ استراتيجية هوجاء لتقسيم المنطقة وفقاً للمقص الصهيو أمريكي، وتلك من خيالات الرؤى التوراتية التي يؤمن بها الساسة الأمريكان والصهاينة على حد سواء . يدخل المشروع الكردي كنواة لهذا الهدف، رغم أن وجود الأكراد في المنطقة لم يجر بناءً على إلحاق بالإكراه أو الضم حتى تأتي الولايات المتحدة أو سواها لرفع الحيف الذي لحق بالقوميه الكردية، إنما هو وجود أصيل مترسخ وثابت عبر آلاف السنين التي عاشت فيها الطوائف والقوميات متآخية ومتسامحة، والوجود الأصيل رتب على الأكراد، كسواهم، واجبات دينية ووطنية ليس من حق أحد المساس بها وتشويه حقيقة تأريخ الأكراد المشرف، ولعل في وقوف القائد الفرنسي الجنرال غورو عندما دخل دمشق منتصراً بعد معركة ميسلون الشهيرة، على قبر صلاح الدين الأيوبي مخاطباً: "ها قد عدنا يا صلاح الدين" ما يدلل على أن للأكراد تأريخاً مشرفاً وهم جزء أساس من القوميات الأخرى للمنطقة، وتبعاً لذلك لا ينبغي أن يكون البارزاني أو سواه، كما يقول المثل العربي "ماشة النار" في إحراق ما تبقى من العراق في فرية صهيونية لإقامة إمبراطورية كردية تلك التي يسعى إليها البارزاني، فتلك ليست سوى محض أحلام تتماهى تماماً مع الحلم التوراتي الصهيو أمريكي . ولذلك سنحاول النظر إلى الدولة الكردية المنفصلة عن العراق من زاوية الرؤية الصهيونية التي يستقوي بها البارزاني، فهي وتبعاً لوزير الأمن الصهيوني الأسبق، آفي ديختر، ستحقق موارد اقتصادية ل"إسرائيل" من خلال (التزام القيادة الكردية) بإعادة تشغيل خط النفط من كركوك في خط ال"ibc" عبر الأردن، وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركي، وقد أجرينا العديد من الدراسات لمخطط أنابيب المياه والنفط من تركيا إلى "إسرائيل"، وهذه هي المعادلة الحاكمة لحركتنا الاستراتيجية في العراق . فهل يستطيع البارزاني دحض تعهداته ل"إسرائيل"؟ وهل يمتلك الشجاعة للاعتذار من الشعبين الكردي والعربي على حد سواء؟ سأحاول إيجاز استحالة إقامة دولة كردية بالاستناد إلى المعلومات الاقتصادية فقط، من دون المعوقات الأخرى الأمنية والاستراتيجية لدول المنطقة، فالقول إن الاقتصاد الكردستاني بوضعه الحالي قادر على إعالة ثلث سكان العراق المفترض وفقاً لتبعية كركوك والموصل وصلاح الدين وديالى إلى كردستان وبواقع 500 ألف برميل لليوم الواحد قول أجوف حين مقارنة ما يتقاضاه الإقليم حالياً من حصة مالية تمثل ما يقرب من ربع ما ينتجه العراق من ريع نفطي بحدود ثلاثة ملايين برميل يومياً، فضلاً عن النفط المنتج في الإقليم وهو بنفس واقع ما سيؤول إليه الناتج الكلي للدولة الكردية، هذا إذا ما أخذنا في الاعتبار الإعالة الكردية المجانية ل"إسرائيل" التي لا بد أن تفرض على الأكراد مقابل الاعتراف بإمبراطورية البارزاني، فضلاً عن الحصة التركية المفترضة لقبول مرور النفط عبر الأراضي التركية، فما الذي يبقيه البارزاني للشعب الكردي وللإمبراطورية الكردية المزعومة التي ينوي إقامتها على أنقاض دولة العراق التي أمدت فيها البصرة وميسان البناء التحتي الذي ينعم به الأكراد، في الوقت الذي تسحق فيه المناطق المنتجة للنفط سحقاً جراء التنازلات الحكومية للبارزاني وسواه؟ فعلى البارزاني الكف عن التمادي بالعبث بأمن العراق، وألا يذهب بعيداً بأحلامه صوب بناء تحالفات زائفة سبق أن ذهب إليها والده المرحوم الملا مصطفى البارزاني، واستنتج المأثرة الوطنية المعروفة "ليس هناك صديق للأكراد سوى الجبل"، وأن يتوقف بحدود ما أكسبه إياه زبائنيته في السلطة المركزية، وبغير ذلك سيسحق الشعب الكردي تحت وطأة الفقر في إمبراطورية البارزاني المفترضة مثلما تُسحق فيه المحافظات الجنوبية في العراق التي تمد البارزاني بمنتجها النفطي .
التعليقات على الموضوع