كنوز الأمير... حسن عبد الموجود

Adsense

في بداية الألفينيات سافرت إلى مسقط رأسي نجع حمادي في صعيد مصر، لإجراء تحقيق صحفي حول قصر الأمير يوسف كمال، ونشر التحقيق على صفحتين كاملتين، في جريدة "أخبار الأدب" وضم معلومات في منتهى الخطورة عن سرقة بعض محتوياته، وصوراً للغبار الذي غطاه، والزجاج الملون الجميل الذي كان الموظفون يسندون دراجاتهم إليه.

توقفت كثيراً أمام اللوحات البديعة التي يشكلها ذلك الزجاج الذي يمتد في بعض الأماكن من الأرض، كان الضوء ينفذ منه مشكلاً صوراً ملونة على الأرضية، صوراً طفولية جميلة. الموظفون أيضاً كانوا "يحشرون" سخاناتهم البدائية في الخشب، في صورة تعكس الإهمال الرهيب، واللامبالاة في التعامل مع التحف الجميلة. لم تكن الآثار قد أصدرت قراراً بضم قصر الأمير يوسف كمال إليها ، وأظن أن ذلك جرى بعدها بمدة طويلة.

يعكس قصر الأمير يوسف كمال، بحسب صفحة "منطقة الآثار الإسلامية والقبطية بسوهاج"، على فيس بوك، الذوق العام السائد فى تصميمات القصور الملكية وقصور الأمراء من أسرة محمد على بما زخرت به مباني هذا القصر من تحف فنية ذات طابع إسلامي، وقد شيد قصر الأمير يوسف كمال من الطوب الآجر والمنجور واستخدمت في لحامات المداميك مونة مكونة من الحمرة والجير والقصرمل، كما استخدم الخشب بأنواعه فى بعض الأسقف والقضبان الحديدية والأسمنت فى البعض الآخر، واتخذت واجهات كل من مبنى السلاملك ومبنى الحرملك شكل أشرطة لونية متعاقبة من اللونين الأحمر والأسود في هيئة زخرفيه جميلة تعرف بزخرفة المشهر أو الأبلق، كما استخدم الفنان العديد من التحف الفنية في زخرفة مبانيه، وبدورها تنوعت فيها المواد الخام مثل الرخام والجص والبلاطات الخزفية والفسيفساء الرخامية والمعادن والزجاج الملون والمعشق والرصاص وغير ذلك.

الأمير يوسف كمال الذي ينحدر من أسرة محمد علي الكبير أنشأ القصر فى نهاية القرن التاسع عشر الميلادى ليكون مشتى له، حيث كان يعيش بين جنباته بعض شهور الشتاء، وفى أثناء ذلك كان يقوم برحلات صيد وقنص في جبال نجع حمادى وأيضاً يشرف على زراعاته ومجمل أراضية، التي تبلغ أكثر من ثلاثين ألف فدان.

كتبت وقتها أن كنوز الأمير أصبحت مهددة بالضياع، فبالقرب من تلك القصور التي تقع على الكورنيش تقع بعض نوادي النقابات، كالمعلمين، والزراعيين، وقد استولى كل منها على جزء من أراضي القصور، وأيضاً على الأشجار النادرة التي تضمها، وبعضها يبلغ ثمنه ملايين الجنيهات، بالإضافة إلى الجرار الأثرية التي لا يوجد لها مثيل في العالم.

وهذه النوادي لا تعرف قيمة تلك الأشجار ولا الجرار بدليل أنها تركتها معرضة لأيدي الزوار، وأغلبهم من الأهالي الذين يأتون لإقامة الأفراح خصوصاً في نادي الزراعيين، وحينما ضمت الآثار القصر إليها عاد الأمل من جديد، ولكن مع الأسف انتشر خبر مؤخراً عن سرقة 310 قطعة أثرية نادرة من داخل القصر، وكالعادة ظهر وزير الآثار ليتحدث، متوعداً بملاحقة المقصرين من المسؤولين، وقال إنه سيتم نقل ما تبقى من كنوز إلى مخازن وزارة الآثار بـ"قفط"، فهل هذه هي الطريقة لمعاملة الكنوز؟ إلقاؤها في المخازن؟ لماذا لا يتم تأمين الآثار بشكل يحافظ عليها؟ لماذا لا يتحدث المسؤول إلا بعد أن تكون الكارثة قد حلت؟ ومتى تتوقف سرقة الآثار؟ الإجابة فعلاً لا تحتاج إلى تصريحات صحافية بقدر ما تحتاج إلى عمل وإلى استيعاب الدروس وما أكثرها.

ليست هناك تعليقات