الراهب الفاجر... سلطان فيصل الرميثي
حلت ذكرى وفاة غريغوي راسبوتين ديسمبر الجاري بضجيج مسموع رغم مرور مئة عام، وفي حين وصفه البعض بأنه الكاهن العظيم، قال آخرون إنه مجرد متسلق تقمّص دور رجل الدين للوصول إلى غاياته. نشأته كانت في سيبيريا، وعندما قرر التدين رحل إلى القدس وبيروت ليترهبن، ثم قصد سان بطرسبرغ في روسيا القيصرية بصفته القديس القادم من العصور الأولى للميلاد، مدعياً امتلاكه قدرات خارقة لعلاج الناس، حينها سطع نجمه، وجاءه البسطاء طلباً للعلاج والبركة، وبدأت قصته الحقيقية في بلاط القيصر عندما طلبت منه الإمبرطورة علاج ابنها الوحيد المصاب بمرض مزمن، وفعلاً تمكن من علاج الأمير، ليحجز له مكاناً بالقرب من الإمبراطور، وبدهاء عظيم أقنع غريغوي الجميع بأنه المنقذ لروسيا من أزماتها، فامتد نفوذه حتى صار يعين الوزراء ويعزلهم، حتى إن البرلمان الروسي ناقش ــ وقتها ــ تأثيره في العائلة المالكة، ومما نقل عن الإمبراطور نيقولا الثاني: «إن غريغوي رجل طيب بسيط ومتدين»، ويقال إن اتساع نفوذه أوغر صدور المقربين، فاغتيل رمياً بالرصاص، وبعد مقتله تداول الروس فضائح غريغوي، واكتشف الجميع أنه مجرد أمّي لم يتلق التعليم الديني الصحيح، كما سرت قصص كثيرة حول مغامراته العاطفية ونزواته الجنسية.
و«راسبوتين» تعني بالروسية الفاجر، وقد لقب غريغوي به في شبابه لسوء سلوكه الذي لم يتغير حتى مع تدينه، لأنه تبع طائفة متطرفة تعتقد أن الفرد يمكنه أن يصبح أقرب إلى الله إذا ارتكب الذنوب عمداً بنية التوبة.
في ذكرى وفاته شاهدت عشرات المقاطع في «يوتيوب»، بينها فيديو مضحك لقناة «الجزيرة»، وصف فيه راسبوتين بالطبيب الروسي، وذكر أنه خصص مبلغاً من المال لبناء مسجد في سيبيريا!
السؤال المطروح هنا: كيف نجح غريغوي في كسب إعجاب الجميع؟ الإجابة تكمن في أن المجتمع آنذاك كان عاطفياً في تفكيره، ويؤمن بوجود مخلّص سيأتي لروسيا ويخرجها من أزماتها وتشتتها الثقافي بالمعجزات. أما السؤال الآخر الذي يحتاج إلى إجابة فهو: كم من غريغوي راسبوتين في عصرنا الحالي يدعي الطهارة في ظاهره، وفي باطنه يخفي شيئاً آخر؟!
وأخيراً، أتمنى ألا يثير هذا المقال حفيظة أتباع راسبوتين الذين مازالوا إلى يومنا هذا يعظمون ذكراه في روسيا!
twitter@sndsultan
التعليقات على الموضوع