أزمة في أهم مؤسسات السياسة الخارجية الأمريكية .. عاطف الغمري

Adsense


مراكز البحوث السياسية Think Tanks في الولايات المتحدة، تتعرض حاليا لأكبر أزمة منذ تاريخ أول ظهور لهذا النوع من المراكز في عام ،1900 تم تطورها ليصل عددها إلى 1200 مركز بحث .
ومراكز البحوث السياسية في الولايات المتحدة شريك أساسي في صناعة قرار السياسة الخارجية، بما تنظمة يومياً من ندوات، ومؤتمرات، ومناقشات داخلية لخبرائها المتخصصين، وما يشاركون به من بحوث وأوراق عمل، حتى إن الأمريكيين يصفونها بأن بينها وبين مؤسسات الحكم، بخاصة الرئاسة، باباً دواراً . بمعنى أنه عند دخول رئيس جديد البيت الأبيض، فهو يختار من خبراء هذه المراكز طاقمه من الوزراء والمعاونين . وبانتهاء رئاسته، يعودون إلى مواقعهم السابقة، ليخرج منها طاقم آخر، يختاره الرئيس الجديد، حسب توافقهم معه سياسياً . حتى إنه خلال السنوات التي أمضيتها في الولايات المتحدة - رئيساً لمكاتب الأهرام - كنت أطلق عليها في كتاباتي، تعبير مصانع السياسة الخارجية .
وهو وضع يسمح به النظام السياسي والدستور، ويشرح ذلك البروفيسور الأمريكي إدوارد كوردان أستاذ العلوم السياسية، بأن الدستور الأمريكي جعل من صناعة السياسة الخارجية، عملية مشاركة لا تنفرد بها السلطة التنفيذية، لكنها في حقيقتها لم تكن دعوة للمشاركة بين أطراف عدة، بل هي دعوة للصراع من أجل السيطرة على السياسة الخارجية، وهو ما ينتهي إلى تقسيم وتوزيع للنفوذ بين هذه الأطراف .
ولم يكن عمل مراكز البحوث، يقتصر على بلورة أفكار لسياسات يتعامل بها الرئيس، مع مشكلات تواجهه في سياسته الخارجية، وهو ما كان يحدث أحياناً عندما يتبنى الرئيس أحد هذه الأفكار، رغم أنها لم تأته من طاقم معاونيه بمن فيهم وزير الخارجية أو مستشاره للأمن القومي .
لكن عمل هذه المراكز كان يتعدى ذلك إلى خدمة الفكر السياسي الأمريكي بشكل عام، واستراتيجيتها العالمية، أياً كان الرئيس الذي يشغل البيت الأبيض . وتناقش هذه النقطة، دراسة لبيتر سينغر، مدير مركز "المبادرة الدفاعية للقرن الواحد والعشرين"، وتقول إن مراكز بحوث رئيسية في واشنطن أحدثت تغييراً هائلاً في السياسة الأمريكية، أدى إلى إعادة صياغة الأوضاع والأفكار، في بلادنا، وفي العالم، وإن ذلك شمل مشروعات نشأت أفكارها أصلاً في مراكز البحوث المنتشرة في واشنطن، من بينها مشروع مارشال، والوكالة الأمريكية للتنمية في العالم، ومعايير التعامل مع البيئة، وصندوق النقد، والبنك الدولي .
فهي تطلق - عن عمد - نظريات سياسية، بغرض الترويج لها، وانتشارها في العالم إما كبالونات اختبار لمعرفة رد الفعل العالمي، وإما لطرحها كبذرة، وتركها تنمو وتشب، إلى أن يأتي الوقت المناسب، لتحويلها إلى واقع، وفرضها كسياسة رسمية .
وكما هو معروف، فإن الإعلام الأمريكي، عبارة عن آلة ضخمة، تحشد وراءها الإمكانات المادية، والمعلوماتية المتفوقة مهنياً، والتي يتخطى ما تنشره حدود الولايات المتحدة، ويصبح ما تنشره محل مناقشات، وتحليلات، ودراسات في العالم على اتساعه .
وسنلاحظ أن هذه المراكز، أطلقت نظريات، تحول بعضها بعد مرور عدد من السنوات إلى سياسة خارجية فعلية، حدث هذا بصورة مكثفة عقب تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 . وتوالي ظهور نظريات: - نهاية عصر الدولة الوطنية - والتدخل في دول أخرى لأسباب إنسانية - ونهاية التاريخ للمفكر فوكوياما، والبحث عن عدو بديل للعدو السوفييتي السابق . وطرح وقتها عام 1991 في بعض المراكز تعبير "العدو المسلم" . لكن مجيء كلينتون للرئاسة عام ،1992 لم يعط فرصة لهذا المصطلح للبقاء، لرفضه تقبله، وهو الذي أعلن في خطاب له أمام الأمم المتحدة، أن التطرف يمكن أن يوجد في مختلف الأديان، إسلامية، ومسيحية، ويهودية .
ثم ظهر بعد ذلك مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" الذي أطلقته كوندوليزا رايس، وبعدها تمت صياغته باسم "الشرق الأوسط الكبير" الذي أعلنه الرئيس جورج بوش عام 2005 .
ووصفت مراكز سياسة، دراسات منها دراسة نشرت عام 2008 بمجلة "دبلوماتيك كوريير"، هذه المصطلحات، بأن القصد منها الإعلان عن بدء فترة جديدة من التاريخ، تتميز بتغيير أساسي في الفكر السياسي، وهو أمر يتطلب تغييراً في سياسات القوى الكبرى .
ورصد عدد من المفكرين الأمريكيين اتجاهاً في الفكر السياسي في الولايات المتحدة، يرى أن النظام الدولي الجديد الذي دعمه جورج بوش، منذ عام ،2005 سوف يطبق عن طريق تنفيذ انقلابات، تتم بالطريق الديمقراطي، بانتخابات تلعب فيها منظمات أجنبية، ووكلاء محليون أدواراً مؤثرة وسط المجتمع، لتسهيل وصول تيارات سياسية معينة إلى السلطة .
يصل بنا كل هذا إلى نقطة البداية في هذا المقال، وهي الأزمة التي تواجهها مراكز البحوث الآن، والتي ظلت لأكثر من مئة سنة، مرجعاً موثوقاً به، في الشؤون السياسية، وباعتبارها نافذة ينظر من خلالها العالم الخارجي، إلى ما يجري في عملية صناعة قرار السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، إلى أن كشفت المعلومات ما جرى من اختراق بعض هذه المنظمات الشهيرة، من قبل دول أجنبية، بهدف تزييف نتائج أبحاث تقوم بها، حول ما يدور من أحداث في دول في العالم واستخدام هذا التزييف، لتضليل الرأي العام داخل أمريكا وخارجها، وهو ما كشفت عنه صحيفة "نيويورك تايمز" في أكتوبر/ تشرين الأول 2014 في دراسة استقصائية بعنوان "دول أجنبية تشتري النفوذ في مراكز البحوث"، وقالت إن أكثر من عشر مجموعات بحوث رئيسية في واشنطن تلقت عشرات الملايين من الدولارات من حكومات أجنبية في السنوات الأخيرة، من أجل دفع المسؤولين في الحكومة الأمريكية لاتباع سياسات تعكس أولويات المانحين، وبذلك تحولت هذه المراكز إلى أدوات في يد لوبي في واشنطن لحكومات أجنبية، وبعد اعتراف عدد من خبراء هذه المراكز بأنهم تعرضوا للضغوط لتضمين بحوثهم نتائج ترضي الحكومات التي تقدم التمويل . وهو ما يعد انتهاكاً لقانون أمريكي صادر في عام 1938 كان هدفه إيقاف الترويج لأي دعاية للنازي .
وما نشرته "نيويورك تايمز"، أحدث ردود فعل متصلة لم تتوقف حتى الآن، بدأت بهجوم من عدد من أعضاء الكونغرس ضد تلقي مراكز البحوث منحاً مالية تؤثر في عملها، وتعدد المناقشات بين الخبراء الأكاديميين، وفي قطاع مراكز البحوث ككل، التي أصابها القلق على سمعتها ومصداقيتها .
إن المال السياسي الخارجي صار صانعاً لنتائج أبحاث خضعت للتحريف والتزييف في وصفها لأحداث تجري في دول أخرى، خصوصاً في العالم العربي، وتشويه صورتها، وفبركة معلومات مغلوطة عنها . وإذا كانت أصابع الاتهام توجه لهذه الدول المانحة، فإنها تضع علامات استفهام أمام مصداقية كثير من هذه المراكز التي تعتبر معلماً أساسياً من معالم الحياة السياسية الأمريكية، ومرجعاً يتابع الكثيرون في العالم عن طريقة ما يجري فيها من مناقشات، وما يطرح فيها من أفكار، وما تخرج به أبحاثها من نتائج

ليست هناك تعليقات